Monday, November 2, 2009

الصبى طويل القامة




جلسَت بجانب شجرة الياسَمين تراقب ابنها وهو يحاول تزيين دراجته بورق أصفر حصل عليه عن طريق مقايضة أخته ببعض كروت اليوجى 
سقطت بين قدميها زهرة ياسمين  لتزيد عدد ما حولها من زهور على الأرض  ما بين القديمة والطازجة
التقطتها  وتشممت رائحتها ..لم تملك معها إلا إغلاق عينيها وإمالة رأسها مع رائحتها الساحرة
...وكعادة الروائح والعطور لابد ان تجلب معها ذكرى جميلة من ركن الذاكرة المشحونة
عادت الى  سنوات بعيدة ..رأت نفسها صغيرة تلهو بزهر الياسمين وقد جمعته فى شكل عقد طويل تضعه فى رقبتها ثم تدخل لترقص كفتيات هاواى على مرأى من الجميع تبحث فى أعينهم عن الانبهار بها  ..وتفرح بكلمات الملاطفة من الكبير والاعجاب من الصغير ...ماعدا من هذا الصبى  الذى لا يملك عادة رد فعل تجاه  أفعالها   الخطيرة والمهمة  فى نظرها .تعتقد احيانا أنها شبح حين يتجاهلها تماما وكأنه لا يراها
..تخلع العقد عن صدرها وتذهب لمشاهدة المسلسل القديم  فى التلفاز الأقدم  مع الآخرين
تتذكر الجدة وهى تسأل عن  اسم هذه الممثلة "العايقة" للمرة الألف
فيجيبوها بلا سأم ..

الصينية المستديرة التى لم تخل أبدا من أكواب الشاى بالنعناع ..والإضاءة الخافتة الصادرة من مصباح بعيد

تسقط زهرة أخرى على وجهها هذه المرة .. تلتقطها بدلا من الأولى ...وكأن لكل زهرة ذكرى خاصة بها
هذه المرة تذكرت نفسها وقد اندمجت فى اللعب  وبناء قلعة من الطين تحوطها الشاليات كالقلاع ..حتى صار لون ثوبها كلون الأرض تحت قدميها
لم يكن الإغتسال كافيا وكان عليهم أن يأتوا  لها بثوب جديد ..لكن من أين لهم بثوب "بناتى"صغير وأصغر من فى البيت هو هذا الصبى الذى يكبرها بسنوات  !! يستمر فى الطول كل يوم عن سابقه لا يريد ان ينتظرها لتلحق به .مهما شبت بجانبه نظر اليها نظرة المتعالى من علٍ..ولسان حاله يقول "حنعيل ولا ايه!؟"
لكن تغيير ملابسها بات أمر ضرورى بعد الحمام الشاق  والمؤلم "حيث "اللوفة "جديدة وخشنة
فما كان الا أن  ألبسوها  تلك القطعة المخططة والطويلة  حتى ركبتيها ..بدت فيها كالبلهاء حين نظرت فى المرآة واستعدت لأن تعترض .
.حين أخبروها أنها الشىء الوحيد المتاح من ملابسه سألت 
ملابس من!!!!؟ .إنها تخص هذا الصبى الطويل الذى لا يراها   إلا اذا صرخت وقفزت فى الهواء حتى يدرك وجودها فى الجوار
أعادت النظر فى قرار احتجاجها ...فال" تى شيرت "ليس سيئا لهذه الدرجة 
كما أنه يصلح لها كالثوب ولا يحتاج الى بنطال او شورت
وقد بدأ هذا الصبى  "الشرير" اخيرا أن يلحظ وجودها فهو ينظر لها بعينين تقطران شرر..هو يراها الآن  ..وها قد أصبحت موجودة بعالمه

هذه المرة صوت ابنتها تصرخ فى أخيها  "انا غيرت رأيى  وعايزة الورق الاصفر بتاعى ..كروت اليوجى بتاعتك دمها تقيل "
 
ترفض أن تستسلم لهذا الواقع المزعج ..تعود لرائحة زهرتها  ورائحة الماضى البعيد

لم يعد الفرق فى الطول كبيرا كالسابق
لقد اقتربت منه كثيرا ...ولا يجوز له أن يتجاهلها مرة أخرى
ولكن هيهات ...الآن هى فتاة ..لا تسعى إلى الإعجاب بأحد ...فهذه مهمة الآخرين  تجاهها
تنظر له نفس النظرات الباردة .تشعره أنه بعيد عن مجرتها
ترد على سؤاله 
"آه نجحت .... بافكر ادخل فنون جميلة ...انت طبعا عارف انى فنانة  من يومى "
يضحك ..وتضحك هى الأخرى على سذاجة ردها ..

لديه "سنّة" زائدة خرجت عن الصف ..ولكنها تمنح ابتسامته جاذبية ...لم  تلحظها سابقا
هل لأنها لم تدقق من قبل بملامحه ..أم لانها قد تكون تلك المرة الأولى التى يضحك بوجهها هذه الضحكة!!؟
حقا لا تدرى

لم يكن صوت أولادها ولا زهرة أخرى من زهر الياسمين هى ما أفاقتها من غيبوبة الذكريات
وانما هو صوت زوجها ...
"بلاش نسكافيه خليه شاى  ...كده تسيبينى ساعة نايم ؟؟؟مش اتفقنا على نص ساعة ...عندى شغل يا مفترية"

انتفضت من مكانها ..وانتفضت الذكريات من رأسها
فها قد عدنا ..كما يقولون فى سبيس توون
...
هرولت الى المطبخ لاعداد الشاى وتقطيع  الكيك بعد أن برد 
عادت اليه باسمة الوجه ...تطلب منه ان يبتسم
فتسائل ضاحكا ...ليه!!!!!؟ 
لكنها لم تجيبه.... فقد اجتاحتها الغيبوبة مرة أخرى حين رأت تلك  الإبتسامة الجذابة ..و"الِسنّة" التى أبت إلا ان تخالف  القاعدة والصف ...وجعلتها  تدعو الله كل فجر  لذلك  الصبى طويل القامة بطول العمر

  
 
 

Thursday, October 8, 2009

افتقاد مُرَكّب



اقترب منها فى هدوء والإبتسامة تعلو شفتيه..يكاد لا يصدق أنها هى
 
اقترب ...لم تتغير تقريبا .نفس ألوان ملابسها الفضفاضة ..لكم أحبت أن يجتاح الأسود أغلب ملابسها

اقترب أكثر  .. ملامحها لم تتغير بعد تلك السنوات ..وكأنه  ودعها مساء ليلة أمس 
 

أصبح ملاصقا للمنضدة التى تجلس بها ..  تضىء وجهها تلك الغمازة الواحدة  على وجنتها اليمنى  وتلك الابتسامة العريضة التى تكشف عن أسنان ناصعة تظهر جميعها رغما عنها ..
لطالما حاولت أن تخفى  ابتسامتها ظنا منها أنها لا تناسب طبعها الهادىء الخجول  ..ولكم حاول اقناعها انها جميلة كابتسامة جوليا روبرتس..بريئة رغم ارتفاع صوتها اذا ضحكت .. بسيطة رغم اتساعها
 

لم يقترب أكثر .. فلا مجال للغوص فى المنضدة ..
 

لم تلحظه وهى تلاعب طفلتها الصغيرة ..تحاول جاهدة  متخذة أوضاعا كرتونية مضحكة كى تقنع  صغيرتها بإكمال وجبتها
 

لاحظها أخيرا.. لم يكتشف وجودها المتواضع حيث اختفت فى مقعدها لضآلة حجمها
كم هى جميلة ..رقيقة ..بل فاتنة ..ولكم تشبهها
 

ألقى بالسلام معلنا عن وجوده
فنظرتا اليه
الثانية .. بتساؤل يشوبه مرح الأطفال
أما الأولى فعرفته على الفور..وبترحاب واضح ردت التحية ..وقد بدا عليها السعادة لرؤيته المفاجئة والغير متوقَََعة أبدا
 

بدأت هى بالسؤال عن أخباره ..سفره ...زوجته ..أطفاله
أجابها باهتمام ..فقد شعر بسعادة خفية لكونها تتذكر تلك التفاصيل..حتى لو لم يكن صادقا فى  إجاباته  ولكنه كان مقنعاً  يحاول أن يبدو مقتنعاً 
 

سألها بدوره عن زوجها وابنتها  مشيرا الى الملاك الصغيرة
فأجابته ببساطة لم تتناسب مع ما توقعه هو من إشارات او تلميحات حول حياتها مع زوجها 
 

..انتهى الكلام ..وفرغت الإسئلة .. ولم يكن له إلا أن يودعها وينصرف
هزت رأسها بلطف معبرة مرة ثانية عن سعادتها بلقائه والإطمئنان على أخباره
 

ابتعد ..وفى ذهنه تلك اللقطات  من أحب الأفلام لقلبه .. انطلق خياله
لعلها الآن تنظر الىّ
علها تفكر جديا فى ندائى
بل قد تحاول اللحاق بى .. اشعر بلمسة يدها على كتفى لتوقفنى ..وبدموع عيناها منسدلة على وجهها الجميل ...
نعم ..هى تحتاجنى ولم تجيد التمثيل يوما .علىّ أن أوفر عليها تلك المشقة ..
بدأ بالالتفات للوراء يضمن وجودها خلفه تماما
 

فإذا بها هناك بمقعدها جالسة ..
محدثا نفسه ..دوما هى مترددة
يكاد يسمع صوت بكائها من مكانه.. على يقين بأنها تقاوم  الهرولة اليه  والانهيار بين يديه معترفة بمدى افتقادها له   
 
هناك بجانب ملاكها الرقيق كانت جميلة الوجه 

..تضىء وجهها تلك الغمازة الواحدة  على وجنتها اليمنى ..تظهر ابتسامتها التى لم تشبه قط ابتسامة جوليا روبرتس ..  
تبعث لزوجها  بتلك الرسالة القصيرة على هاتفها المحمول.. 

Miss you honey .... indeed 
...  

Friday, July 31, 2009

رؤية لوذعية فى ليلة حر

فيه خط فاصل فى حياة كل منا ... قبل الخط ده دماغ البشر وقلوبهم لسه موصلتش للدرجة اللى تخليهم يستوعبوا الأمور صح ..والكارثة بتكون لما يكبروا ويفكروا ومخهم يشتغل لكنهم برغم خبرتهم فى الحياة موصلوش للعلامة الفاصلة دى وعلى النقيض ممكن تلاقى ناس أبسط علما وأقل خبرة وعمرا ..اهتدوا لهذه العلامة واجتازوها بنجاح " قد يشبه الأمر حظ الاصابة بالحصبة لشخص دون الآخر " لكنها فى الحقيقة هداية من ربنا ..نعمة لا يمنحها الا لمن شاء ..يؤجل منحها للبعض ويبكر مع الآخر ..ويمنعها عن من لم يستحقها

عارفين الأمر قبل العلامة وبعدها يشبه ايه فى نظرى!!؟

دنيا غير الدنيا .فى الاولى مش متاح لك انك تشوف غير اللى ادامك وبتفتكر انك وصلت للعمق انك شفت النهاية انك جبت آخرها ..وفى التانية بتلاقى باب اتفتح على دنيا تانية واتارى العمق غير العمق والنهاية ليست الا بداية وكأنك رأيت المريخيون او اكتشفت اننا أقزام فى حفرة من أرض العمالقة.

لمبة بتنور فى دماغك وبتكشفلك نظريات جديدة .وده بالرغم من ان العالمين يلتحفوا سماءا واحدة .

من الطبيعى ان يندم الواردون الجدد على هذه الدنيا "ما بعد العلامة" على أفكارهم القاصرة ..وتفسيراتهم السخيفة للاشياء بعد ان يدركوا جهلهم الشديد ما كانوا فيه


خيالى تلك الليلة صور لى شيئا آخر ..ألا وهو ان بعضنا قد يُعاقب لإتيانه خطأ ما فيعود به الله الى الدنيا الأولى "ما قبل العلامة " وبالطبع يعود بعقل ساكنيها وكأنه تعرض لغسيل مخ أنساه ما رآه واستوعبه فى الثانية ..وعليه أن يثبت مرة أخرى أنه يستحق العودة ..كما قد تتكرر هذه العملية بحسب زيادة ونقص ايمانك وقوة صمودك أمام حيل ابليس ..ومنهم من يستقر بعد عدة رحلات فى الأولى فيالخيبة المسكين

ومن جنود الله فى الأرض من يرسلهم لقاطنى هذا العالم بدائى الايمان ..فيحاولوا توجيههم لبؤرءة الانتقال ما بين العالمين كنوع من المساعدة والارشاد يلزمها "تشغيل مخ " من هذا البدائى حتى يصير على اعتاب الثانية

لذلك نحن فى هذه الحرب مع الدنيا مع النفس والهوى علينا ان ندعو الله لان يهدينا عقولنا وقلوبنا التى تثبت بفضله أقدامنا فى هذه الدنيا الجديدة أملا فى أن نموت علي أرضها ..داعيين أن يبعث الله الينا من ظلوا فى الأولى يجادلون محاولين أن يثبتوا أنهم على حق دائما فانشغلوا فى محاولات جمع الأدلة الغير موجودة ..حتى أكل العند ما تبقى من عقولهم .. يبث أقواهم تشبثا بهذا العالم سما زعافا فى عقول لم تنضج بعد بدعوى الحرية أحيانا ..او باصطياد كلمة من وسط جملة فيخلوا بمعناها وهى فى الحقيقة كلمة حق أرادوا بها باطلا يعشقوا النقاش مع ضعاف الحُجة ليضمنوا الفوز .."وعليهم طول نفس ومجادلين الله يجحمهم " فالدنيا مبلغ همهم
أن نشعر بهذه الطمأنينة التى لا تخلو من خوف ورجاء ..أن تظل اعيننا تدمع خشية وحبا فى ذات الوقت .. أن نشعر بهذا القرب الجميل ..أن نفهم معنى أن يحب الانسان صلاته ولا يؤديها فرضا واجبا وانما بحثا عن متعة القرب ولذة الطاعة ..أن ترى عيوننا ما عميت عنها عيون الآخرين...هو دعائنا دائما وأبدا .

عذرا للخلط بين الفصحى والعامية هنا ..ولكنى نقلتها اليكم كما كتبتها بدون تنقيح حتى لا أفسدها لوذعيتها :))

Wednesday, July 29, 2009

الحياة بدون كاتشاب ..يا مراكبى



ولما كان من المراكبى أن أبحر بنا فى بحور القَصَص البديع..فملك مجدافا من كلمات رائعة  ومجدافا من احساس راقى   ..وعاد بنا بسلام  بعد كل رحلة  تليها رحلة..حتى ظننا أن السندباد البحرى بمغامراته الرائعة لم يكن شخصية كرتونية ..أو أن الكابتن هادوك  حين نسقط أمامه ضحكا لم يكن رفيق تان تان
وأن مثلث برموده لا يعرف سره الخطير الا المراكبى صاحب الأساطير وهو الوحيد القادر على جلب كل رائع من الكنز القابع داخل المثلث المسحور..عله يملك جنية ..او عروس بحور
ولعل قلمه هو عصا الساحرة الطيبة العجوز  او انه يملك فى علم الخيال تلك النفوذ ..
..
المهم  يا سادة يا كرام ..وما يحلى الكلام الا بذكر النبى عليه الصلاة والسلام
قام المراكبى الهمام  بنشر مجموعته القصصية  الآخر تمام .
وحفل التوقيع غدا ان شاء الله ..فى مكتبة حنين بوسط البلد  واللى عايز التفاصيل ..يكلك على اللينك ويطير   ويحكيلى بالتفصيل اللى شافه من حكاوى ومواويل ..عشان اختكم الغلبانة ..اعدة فى اسكندرية الحرانة  من الزحمة  والدخانة ..ومتقدرش تروح القاهرة السهرانة
ومبروك للمراكبى  وتهنئة حارة من القلب فرحانة
:D

حفل توقيع كتاب باشمهندس أحمد ثروت القاضى "يا مراكبى
الحياة بدون كاتشاب "


 ..

Friday, May 22, 2009

اختلاس نظرة


***
انتزعت خاتمه من يدها
وبعين لا تقوى على النظر إليه
سكبت دموعها فى صمت
هلعا مما ستحمله لها الأيام من حرمان
وشوقاً مبكراً إلى عودة لحظات أمان
خوفاً من الغد
قشعريرة الألم تسرى بين أكتافها
ابتعدت ورأسها لم ير الا الأرض
اختلست نظرة
لتجده يمد يده إلى أخرى
 
فانتحبت حزنا على ماضيها
ندماً على الأمس
............................................
***
أعطاها هدية وابتسم ابتسامة حيية 
بادلته اياها بقبلة وضحكة رنانة
اشتعلت بوجهه حمرة الخجل
لمعت عيناه وأسرع بالخطا نحو البيت
اختلس نظرة
فوجدها تدعو آخر الى تقاسم هديته
اشتعلت بوجهه حمرة الغضب
وأسرع بالخطا اليها
 
خطف منها "مصاصته"
وانثنى يعقد رباط حذائه
وبحنق بالغ.... صرخ فيها
لم ولن تحسى  يوما طعم الفراولة
...............................................
***
شكره على مجهوده ..فامتن له تقديره
ذهبا سويا الى الصلاة
دعا له بالقبول
فرد عليه بمثلها
ودعه بتحية الاسلام
فجاوبه التحية بأفضل منها
ابتعدا
فاختلس أحدهما النظر
ليجد الآخر يمنح مسكينا بيمينه مالم تلمحه شماله
أطرق برأسه ..
ثم رفع يديه مستغفرا نفاقا ومسح جوخ
...................................................
***
أخذ خطوء الى الوراء ليلقى نظرة أخيره على لوحته
لم يبالِ بألوان الطيف المرسومة على وجهه وملابس
سمع خطواتها ورائه
فانتفض قلبه هلعا
أغمض عينيه رافعا أكتافه خوفا
انتظر فلم يجد شيئا
اختلس نظرة
فوجدها تبتلع حبة مسكن آلام الظهر باكية
هرع الى الداخل وأتى بقطعة قماش مبللة
أزال لوحته ومجهود الدقائق الطوال
ثم كتب ..
أعدك أن أتوقف عن الشخبطة
وسأكتب فقط من الآن على كل حائط
"أحبك يا أمى "
*********

Thursday, April 30, 2009

...كافيين...

خرجت الى حديقتها الصغيرة بعد انقضاء فترة الغذاء وما يعقبها من إعادة ترتيب للمنزل وخلافه وبعد أن حملقت الصغيرة فى مقدمة الفيلم الكرتونى الطويل وجلس طفلاها الكبيران الى فروضهما الهيروغليفية وقبل أن يطلبا منها تقمص شامبليون
حدثت نفسها بأنها فرصة رائعة للإحساس بهذا الربيع الذى يتحدثون عن قدومه ويهنئون بعضهم البعض من أجله ..ولأن ساعتها الصيفية المحببة قد سارت عقاربها فى سلام .وصار فى إمكانها الاستمتاع ببقايا ظلال شمسها الغائبة دائما عن مستطيل حديقتها الضئيل
حاولت كعادتها حسن استغلال الفرصة...هرولت الى الداخل لإعداد النسكافيه واحضار واحدا من الكتب اليائسة من انتظار دورها فى التصفح وليس القراءة
بدأت بوضع ملعقة ونصف من السكر فلا أمل فى هذا الدايت المزعوم من أن تتعود تقليله..تنظر الى حبات السكر ترشها من أعلى وكأنها تتقافز ضاحكة فوق ميزانها الملعون الذى يأبى أن يحرك مؤشره المتثاقل لفترة طويلة
تطرد التفكير فى الأمر بشغل يدها فى محاولة دمج النسكافيه بالسكر بسرعة وباتجاه واحد يساعدها فى صنع رغوة عالية تنجح فى رسم شارب
اندمجت مع خليطها وانتفشت كتلك الرغوة الباحثة عنها حين تذكرت كلمات إعجاب زوجها واستحسانه للقهوة الى تميزت دوما فى إعدادها .ثم ضحكت حين تذكرته يرفع إحدى حاجبيه قالبا شفتيه امتعاضا بعد أول رشفة من كوب شاى فشلت فى إعداده
خرجت فى إحدى يديها "مج" تهتز الرغوة على وجهه وفى الأخرى كتاب حفظت عنوانه وصورة غلافه عن ظهر قلب ولم تعرف لون صفحات الكتاب أو تلمس جودة أوراقه
وحين همت بالجلوس وجدت ان الوسائد عليها من التراب ما يكفى لتحالفه مع حبوب لقاح الربيع لإصابتها بنوبة أخرى من الحساسية هى فى أشد الغنى عنها هذه الأيام
أتت بالمكنسة لشفط التراب فلا يجوز لها نفضه ليطير نصفه فى الهواء والنصف الآخر فى شعبها الهوائية.. وكذلك فعلت مع الحب المتناثر من طعام العصافير التى علا صوتها وهى تناجى الغروب ألا يحين
ثم أعادتها فى غفلة من ابنتها الصغيرة كى لا تلمحها فتهرول الى الخارج تصيح كعادتها بأعلى صوت وينتهى الأمل فى اللحظات الهادئة
جلست لتجد أن مشروبها أصبح باردا .والقهوة الباردة هى أكثر ما يثير غيظها ويدفعها الى العصبية
دخلت مرة ثانية لتسخينها حزينة على فقدان رغوتها .
وفى طريقها رن الهاتف.. أخذته معها واستمعت الى عتاب صديقتها وكلماتها المتلاحقة لا تعرف لها صدا ولا ردا
اعترفت بتقصيرها ..واعتذرت ..أحيانا يكون الإعتذار وحتى دون وجه حق للآخر هى الوسيلة الوحيدة لانهاء العتاب ..فقد ملت التبرير لغيرها كما ملته لنفسها
زهدت فى هذا النسكافيه المقدر لها ألا تشربه
فتناولت كيسا من المقرمشات أتاها به ابنها من المدرسة كهدية من مصروفه
وخرجت علها تلمح خيطا من لون سماوى حلمت أن تراه قبل بدء الليلة
لكن الأقدار لم تشأ ان تمنحها تلك الأمنية
جلست فى ظلال الورق الأخضر تشوبه اضاءة صفراء مزعجة
فأمالت برأسها الى الوراء وسرحت بأفكارها
تبدلت ملامح وجهها ما بين الابتسام وقطب الجبين والضحك ثم عقد الحاجبين . ثم أغمضت عينيها لتجتذب واحدة من الذكريات الجميلة وأحكمت غلق جفونها وكأنها تمنع تسرب اللقطات
ظبطت نفسها تتسائل.. لماذا تريد الأمثل من كل شىء!؟
ولا تريد ان تتخلى عن أحد طقوسها وكأنها لا تعرف الإستمتاع باللحظة دونما هذا الترتيب الذى قد يحيل الأمر الى فرض يخرج فى النهاية مشوها أو غير مكتملا!؟
هى تعرف أن الروتين ممل وأن التغيير مطلوب ..لكنها حتى فى جنونها تتعمد الأشياء
متى تتركها تسترسل وترتجل .. تنطلق وترتحل..تحجم فتتهادى أو تتربص فتنفعل
كل هذه الانفعالات متاحة طالما أنها فى حيز المسموح والمقبول
فتحت عيناها على وجه أطفالها ...فقد اتفقوا على قضاء بعض الوقت بجانبها دون إزعاج.. طبعا الصغيرة لم تكن حاضرة هذا الاتفاق
هبت من مكانها وطلبت منهم ارتداء ملابسهم سريعا للخروج للتمشية بالخارج بعد أخذ الاذن من "بابا"
صاح الأولاد .
بس النهاردة مش الخميس ولا الجمعة !!!؟
عارفة... تغيير ...كسر الروتين
يعنى ايه روتين يا ماما
هههههه
يعنى رخامة
دوى صوت الباب وهى تغلقه....لحظات من الصمت ..ثم صوت مفتاحها فى الباب
فقد عادت الى الداخل لتشرب النسكافيه البارد جدا فى سرعة قبل أن تعود للخارج
بعض الكافيين اليومى الروتينى لن يضير..حتى وإن فقد حرارته أو ضاعت رغوته ..
فهو لا يزال... كافيين

Tuesday, March 17, 2009

اجتياح ألم .. فانحسار أمل



ألم جديد يحل بك كما العادة
لكنك تعودت البحث عن مسكنات وقتية تبتلعها فتبتلع معها ألمك ..فما كان من مناعتك إلا أن تضعف حيث تعودت الخوف من المواجهة
سرعان ما يصبح هذا الألم ضيفا جديدا بجسد لا تتوفر به أماكن خالية لاستقبال الزائر الثقيل
ويصبح هذا الضيف "الألم" كقطعة البازل الزائدة فى لوحة طفلك حيث لا تجد لها مكانا لتستقر
فتتشكل كما تتشكل الحرباء من الزواحف او الآدميين بسرعة خاطفة الى قطعة من الثلج اختلفت فى الشكل ولم تختلف فى الإحساس .... فللألم برودة الثلج القاتل وقسوته
يكاد الألم ينبت له عقل ماكر فبتحوله الى قطعة الثلج يستطيع حينها أن يحفر طريقه ذوبانا بين المسامات المخفية ..فلا يحتاج الى مساحة كافية ليرسخ بها بين ضلوعك ككتلة واحدة بل انساب بينها ليشمل رأسك وأطرافك فتفكر بألم وتشير بألم لتخطو بمثله..
ولأنك انسان ضعيف ..تنهار قواك بالتدريج
فتزيغ عيناك
ويضطرب تفكيرك
بل وقد ترتجف يداك
فيظن الناس بك الحمى
والحقيقة انهم أصابوا فى ظنهم
فللحمى درجات
وقد نلت نصيبا من أصعبها
ولأنك متفائل .. تأمل فى الشفاء
تنبعث كرات دمك متواضعة البياض لتحارب هذا الدخيل
فتخرج من كل صوب وجانب
فيدافع قلبك بكل ما تحمله من مشاعر طيبة
ويواجه عقلك بكل استراتيجية تعلمها فى حروب سابقة
وينطلق لسانك بكل ما عهد على النطق به
دعاءا ..واستغفارا ..وذكر
حتى تتصدى لفيروسات الألم ..وتنجح فى القضاء على أثارها
وتظل هذه البؤرة بقلبك ..تخبرك أن هناك المزيد من جنود الأعداء
يتربصوا بك ..حتى اذا كللت .. انقضوا عليك من جديد
وستظل هكذا ما بين دفاع وهجوم ..كر وفر..
فما أن تمل المقاومة إلا وتنجح برودة قطعة ثلج جديدة فى تجميد كرات دمك البيضاء لتحدث بها شللا عظيما حتى تنشأ بجسدك سلالة جديدة من الألم استطاعت ان تحتال على استراتيجياتك القديمة لا تعرف وسيلة للقضاء عليها
وإذ بها تفاجئك بسحب عرش حكمك على نفسك
حينها
يتحجر الدمع بالعين
وتنتفض العروق
وتتمخض الروح
فتلد
يائسا
.
.

.
ملحوظة .مثل هذا الهذيان قد لا يكون بالضرورة هذيانى
وإن كان ..فليس شرطا أن يكون الألم ألمى
وإ ن صار ..فليس عيبا أن أهذى قليلا معكم